محمد بن جرير الطبري
18
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
يقول تعالى ذكره : وأنزلنا من السماء ما في الأرض من ماء ، فأسكناه فيها . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض ماء هو من السماء . وقوله : وإنا على ذهاب به لقادرون يقول جل ثناؤه : وإنا على الماء الذي أسكناه في الأرض لقادرون أن نذهب به فتهلكوا أيها الناس عطشا تخرب أرضوكم ، فلا تنبت زرعا ولا غرسا ، وتهلك مواشيكم ، يقول : فمن نعمتي عليكم تركي ذلك لكم في الأرض جاريا . القول في تأويل قوله تعالى : * ( فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون ) * . يقول تعالى ذكره : فأحدثنا لكم بالماء الذي أنزلناه من السماء ، بساتين من نخيل وأعناب لكم فيها يقول : لكم في الجنات فواكه كثيرة . ومنها تأكلون يقول : ومن الفواكه تأكلون . وقد يجوز أن تكون الهاء والألف من ذكر الجنات ، ويحتمل أن تكون من ذكر النخيل والأعناب . وخص جل ثناؤه الجنات التي ذكرها في هذا الموضع ، فوصفها بأنها من نخيل وأعناب دون وصفها بسائر ثمار الأرض لان هذين النوعين من الثمار كانا هما أعظم ثمار الحجاز وما قرب منها ، فكانت النخيل لأهل المدينة ، والأعناب لأهل الطائف ، فذكر القوم بما يعرفون من نعمة الله عليهم ، بما أنعم به عليهم من ثمارها . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين ) * . يقول تعالى ذكره : وأنشأنا لكم أيضا شجرة تخرج من طور سيناء وشجرة منصوبة عطفا على الجنات ، ويعني بها : شجرة الزيتون . وقوله : تخرج من طور سيناء يقول : تخرج من جبل ينبت الأشجار . وقد بينت معنى الطور فيما مضى بشواهده ، واختلاف المختلفين ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وأما قوله : سيناء فإن القراء اختلفت في قراءته ، فقرأته عامة قراء المدينة